000

27 May 2017

  • أكتب القصة القصيرة باحتراف 2

    هاني النجار
    عــدد الزيــــــــارات:
    الآن سنكتب مثال لقصة قصيرة سوياً وفق الأسس العشرة التي تحدثنا عنها في المقال السابق، وهي الفكرة، المخطط، البناء، اللغة، القالب، الزمن، المكان، الوصف، الحوار، والشخصية.

    أولاً الفكرة:
    افترض بأنك كنت جالساً بالمقهى ورأيت رجلاً عجوزاً يجلس وحيداً على إحدى الطاولات وأمامه رقعة شطرنج يحدق بها. إنه مشهد بسيط ربما رأته مئات العيون، ولكن عين القاص قناصة، استلهمت من هذا المشهد قصة، سنقوم بتفصيلها على النحو التالي..

    ثانيا المخطط:
    سنقوم الأن بتقسيم الفكرة الرئيسية إلى مجموعة من الأفكار الفرعية، وترتيب القصة بمجموعة من المشاهد بعد إضافة خيال المؤلف إليها.

    الرجل يجلس وحيداً يحدق في رقعة الشطرنج، ويبدو أنه على وشك الهزيمة، وبعد لحظات يأتي صديق له يجلس قبالته يتحدثان سوياً ثم يهما بالخروج، لكن الرجل يعود ينظر إلى الرقعة وعيونه تلمع بالفرحة فيجلس مرة اخرى لمتابعة الدور.

    ثالثاً البناء:
    سنقوم الآن بتحديد الاستهلال، وقلب القصة، وخاتمتها.
    الاستهلال: وفيها نرسم الفضاء العام للقصة، ونحدد الشخصية الرئيسية ووجهتها وهدفها. نصف رقعة الشطرنج مثلاً، وكيف أن جلوس الرجل حزينا يعني أنه على وشك الخسارة، وهنا تبرز أهمية مبدأ روائي هو بحث التيمة، فعلى القاص هنا أن يكون ملماً بقواعد لعبة الشطرنج كي يكتب قصة مقنعة، ويستخدم مفردات اللعبة في عملية الإسقاط.
    قلب القصة: هو تقنية الفلاش باك، حيث يسترجع الرجل ذكرياته التي تخدم هدف القاص من قصته.
    أما الخاتمة: فلابد أن تحمل قيمة معينة حتى تكتسب القصة العمق اللازم، وحتى يخرج منها القارئ سعيداً مستفيداً.

    رابعاً اللغة:
    البطل رجل عجوز، إذن فليس من المنطقي أن يتلفظ بلفظ متداول بين الشباب، وعلينا أن ننتبه جيداً لهذه النقطة، وإذا جاء إليه نادل المقهى، فليس من المعقول أن يتحدث إليه بلغة عربية رصينة.

    خامساً القالب:
    لعل مشاهد القصة قد تبلورت في العقل الآن، وبدأ جلياً أنها ستدور في قالب إنساني حسب حجمها الذي يبدو بسيطاً، فهي مشهدين ليس أكثر، والباقي فلاش باك لتأصيل الأثر وتقويته.

    سادساً الزمن:
    هل ترى أن للزمن الخارجي أهمية في قصة كهذه؟ ماذا سيضيف عنصر الزمن إذا كان الوقت نهاراً أو ليلاً؟ شتاء أو صيفاً؟ ولكن للزمن الداخل سطوة في هذه القصة لأنها تعتمد على خيال المؤلف الذي ارتحل في ذاكرة الرجل وقام بالتقليب فيها بما يخدم غرضه وهدفه من القصة. إذا فزمن القصة هو ذكريات (زمن داخلي) يشعر به البطل وحده.

    سابعاً المكان:
    مقهى شعبي قد يكون بأي بلد أو مدينة، وهذا هو دور المكان في القصة، على عكس قصة تتحدث مثلاً عن أحداث بزمن الرئيس شكري القوتلي، هنا يكون لتحديد المكان بأنه سوريا أهمية، والزمان أيضاً، أو قصة تتحدث عن الكفاح الفلسطيني، أو موضوع ضباط فرنسا في الجزائر، أو عن جريمة الانفتاح الاقتصادي التي قام بها الرئيس السادات في مصر، فهنا يكون تحديد المكان أمر واجباً، والزمان أيضاً.

    ثامنا الوصف:
    في قصتنا هذه الوصف هو أحد أبطال القصة، وصف الرجل العجوز بملامحه التي أنهكها الزمن، ووصف الحالة النفسية التي يمر بها وتسببت في تأجيج صراع الذكريات في رأسه.

    تاسعاً الحوار:
    قلنا بأن الحوار إما خارجي بين شخصين أو أكثر، أو داخلي كحوار الذكريات، والنوعين سنستخدمهما بالقصة بلا شك، بطريقة مقتضبة تخدم الهدف النهائي.

    عاشراً الشخصية:
    يكمن سر بناء شخصية حية في مفتاح الجرح النفسي، ابتكر للشخصية جرح نفسي قديم وسوف تندهش أنت نفسك كيف دبت فيها الحياة. ضع هذه الجملة كالقرط في أذنك عند بناء أي شخصية.

    ونستكمل إن شاء الله في المقال القادم تفصيل القصة قبل أن نراها حية أمامنا وكيف تمت صياغتها، وكذا أمثلة أخرى لكيفية الابتكار، وكتابة القصة بسلالة دون تضيق الخناق على العقل، وجبره للمضي في طريق القواعد والأصول، إلى جانب التعرف على أشهر تيمات القصص سواء رومانسية، واقعية، خيالية، فنتازية.. وغيرها.